ابن حزم

354

رسائل ابن حزم الأندلسي

ما قالت الأنبياء صلوات الله عليهم والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وفي آداب النفس أعاني مداواتها ، حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه ، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بأزمة الحقائق هو الإقرار بها ، ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله . ( أ ) فمنها كلف في الرضاء وإفراط في الغضب ، فلم أزل أداوي ذلك حتى وقفت عند ترك إظهار الغضب جملة بالكلام والفعل والتخبط ، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار وتحملت من ذلك ثقلاً شديداً وصبرت على مضض مؤلم كان ربما أمرضني ، وأعجزني ذلك في الرضى وكأني سامحت نفسي في ذلك ، لأنها تمثلت ان ترك ذلك لؤم . ( ب ) ومنها دعابة غالبة ، فالذي قدرت عليه فيها إمساكي عما يغضب الممازح ، وسامحت نفسي فيها إذ رأيت تركها من الانغلاق ومضاهياً للكبر . ( ج ) ومنها عجب شديد : فناظر عقلي نفسي بما يعرفه من عيوبها حتى ذهب كله ولم يبق له والحمد لله أثر ، بل كلفت نفسي احتقار قدرها جملة واستعمال التواضع . ( د ) ومنها حركات كانت تولدها غرارة الصبا وضعف الأعضاء فقسرت نفسي على تركها فذهبت . ( ه - ) ومنها محبة في بعد الصيت والغلبة ، فالذي وقفت عليه من معاناة هذا الداء الإمساك فيه عما لا يحل في الديانة ، والله المستعان على الباقي ، مع ظهور النفس الغضبية إذا كانت منقادة للناطقة فضل وخلق محمود . ( و ) ومنها إفراط في الأنفة بغضت إلي إنكاح الحرم جملة بكل وجه وصعبت ذلك في طبيعتي ، وكأني توقفت عن مغالبة هذا الافراط الذي أعرف قبحه لعوارض اعترضت علي ، والله المستعان .